محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

241

الإنجاد في أبواب الجهاد

مسلماً بريئاً لينجو بذلك من القتل ( 1 ) . وأما ما وقع الاختلاف فيه مِن رَمْي الحصون بالنار ، فنذكر وجهه ، والأرجح منه - إن شاء الله - في الفصل بعد هذا . وأما اختلافهم في إيجاب دية من أصيب في ذلك من أسرى المسلمين فسببه : هل يحمل ذلك على الخطأ المحض ، فتجب فيه الدية ؟ أو لمَّا كان القتال مباحاً مأذوناً فيه على الأدلة المتقدمة ، كانت الإصابة فيمن أصيب مستندةً إلى الإذنِ الشرعي ، فلم يكن له حكم الخطأ ؟ وهذا ضعيف ؛ لأن إصابة المسلم لم يكن فيها إذن بحال ، والقول بإثبات الدية أَوْلَى ، ويُبيِّن ذلك حديث جرير بن عبد الله ، خرَّجه أبو داود - وقد تقدم - قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريةً إلى خثعم ، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود ، فأسرع فيهم القتل ، قال : فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر لهم بنصف العَقْلِ ، وقال : « أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين » ( 2 ) ، فيحتمل - والله أعلم - أن يكون أهدرَ النصف الثاني ؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم

--> ( 1 ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في « الفتاوى » ( 28 / 546 ) : « وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين ، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا ، فإنهم يقاتلون ، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم » . وقال : « وهؤلاء المسلمون - أي المتترَّس بهم - إذا قتلوا كانوا شهداء ، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيداً » . ورجَّح الدكتور حسن أبو غدة في كتابه « قضايا فقهية في العلاقات الدولية حال الحرب » ( ص 151 ) مذهب الحنفية وهو جواز رمي العدو المتترسين والمتحصنين بالمسلمين حال وجود مصلحة وحاجة إلى الرمي ، وإن لم تكن هناك ضرورة . وانظر : « المبسوط » ( 10 / 65 ) ، « بدائع الصنائع » ( 6 / 63 ) ، « البناية » ( 5 / 128 ) ، « تبيين الحقائق » ( 3 / 243 ) ، « تفسير القرطبي » ( 16 / 287 - 288 ) ، « المستصفى » للغزالي ( 1 / 141 - 142 ) ، « السياسة الشرعية » لشيخ الإسلام ( ص 114 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( رقم 2645 ) ، والترمذي ( 1604 ) من حديث جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - . وفيه أمره - صلى الله عليه وسلم - لهم بنصف العقل . وهو صحيح دون الأمر بنصف العقل . كما قال شيخنا الألباني - رحمه الله - . وقد مضى تخريجه .